كتب: محمد الطللي
يقول المنفلوطي في مقدمة النظرات : يسألني كثير من الناس كما يسألون غيري من الكتاب كيف أكتب رسائلي كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسلكها إليها فيسلكوها معي وخيرًا لهم ألا يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في الكتابة بطريقتي أو طريقة أحد من الكتاب غيري، وليعلموا إن كانوا يعتقدون لي شيئًا من الفضل في هذا الأمر- أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلا لأني استطعت أن أنفلت من قيود التمثل والإحتذاء، وما نفعني في ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عن أن تمسك إلا قليلًا من المقروءات التي كانت تمر بي فقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني”.
ولد الكاتب والأديب مصطفى محمد محمد حسن لطفي المنفلوطي في فجر العاشر من ذي الحجة سنة 1293 هجرية 30/12/1876ميلادية لأب عربي يتصل نسبه للأمام الحسين والأم من أصل تركي وهى السيدة/ هانم على حسن جوربجى
وقد وافته المنية عن عمر يناهز 48عاماً ودفن في مدافن الأمام الشافعي في القاهرة و في نفس اليوم الذي اعتدى فيه على سعد باشا زغلول يوم السبت الموافق12يوليو 1924م
وإن المنفلوطى كان مؤتلف الخلق .. متلائم الذوق متناسق الفكر متسق الأسلوب .. منسجم الزي وكان صحيح الفهم في بطء سليم الفكر في جهد دقيق الحسن في سكون .. هيوب اللسان في تحفظ وهو إلى ذلك رقيق القلب عّف الضمير سليم الصدر صحيح العقيدة موزع الفضل والعقل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته وتتميز كتابته بصدق العاطفة في آرائه وإندفاعه الشديد من أجل المجتمع ، وقد إستطاع أن ينقذ أسلوبه النثري من الزين اللفظية والزخارف البديعية ولاقت روايات المنفلوطي وكتبه الأدبية شهرة واسعة في جميع الأقطار العربية فطبعت مرات متعددة وتهافت الناس من كل الأعمار والأجناس على قراءتها فالدكتور طه حسين يقول إنه كان يترقب اليوم الذي تنشر فيه مقالات المنفلوطي الأسبوعية في جريدة المؤيد ليحجز لنفسه نسخته منها وكان يقبل على قراءتها بكل شغف .
وقد قال عنه العقاد إنه أول من أدخل المعنى والقصد في الإنشاء العربي
ولقد أجمع الذين عرفوا المنفلوطي وعاشروه على أنه متحل بجميع الصفات التي كان يتكلم عنها كثيراً في رسائله وأن أدبه النفسي وكرم أخلاقه وسعة صدره وجود يده وأنفته وعزة نفسه وترفعه عن الدنايا وعطفه على المنكوبين والمساكين ورقة طبعه ودقة ملاحظاته ولطف حديثه إنما هي بعينه كتبه ورسائله لا تزيد ولا تنقص شيئاً .
ومن مؤلفاته ومترجماته
1- كتاب النظرات في ثلاث أجزاء جمع فيه ما نشره في جريدة المؤيد من الفصول في النقد والاجتماع والوصف والقصص
2-كتاب العبرات وهو مجموع من الأقاصيص المنقولة والموضوعة
3- مختارات المنفلوطي من أشعار المتقدمين ومقالاتهم وقد ترجم له بعض أصدقائه عن الفرنسية
1- تحت ظلال الزيزفون( مجدولين) لانفونس كار ترجمها له صديقه الأستاذ محمد فؤاد كمال في شهر مايو سنة 1912ميلادية وهى قصة حبيبين فرق المال بينهما فالفتى يرى السعادة في العمل والكفاح والفتاة ترى السعادة في الثروة والجاه ومن أجل ذلك تزوجت رجلاً واسع الثراء ولكنها لم تسعد في كنفه وماتت دون أن تحقق أمالها في الحياة السعيدة
2- (في سبيل التاج )لفرانسوكوبيه ترجمها له صديقه الأستاذ حسن الشريف أول شهر يونية سنة 1920 ميلادية وهى قصة تصور كفاح الشعوب كي تنزع حريتها واستقلالها من أيدي الغزاة الغاصبين والذين يعملون دائما على تحطيم الروح المعنوية للشعوب
3- سيرا نودي برجراك (الشاعر)لادمون رستان ترجمها له صديقه الأستاذ محمد عبد السلام الجندي في أول شهر مايو سنة 1921 ميلادية وهى قصة انتصار المواهب على المال والجمال كما تبرز التضحية في أبهى صورها وأروع معانيها فقد ضحى البطل بحبه وسعادته في سبيل سعادة أبن عمه بل وساعدهما
4 – بول وفرجيني (الفضيلة) لبرناردين دي سان بير ترجمها له صديقه الأستاذ محمد عثمان جلال في شهر أغسطس سنة 1923 ميلادية وهى رواية تمجد الحياة بين أحضان الطبيعة جرت حوادثها في أحدى الجزر الأفريقية بعيداً عن زخارف المدينة وقد ختمها بقصيدة بول وفرجيني كان أخر أبياتها هكذا الدنيا وهذا منتهى كل حي مالحي من بقاء وكان أخر عمل للمنفلوطي
فصاغها بأسلوبه البليغ الرصين صياغة حرة لم يتقيد فيها بالأصل فأفاضت إلى الثراء الأدب العربي ثروة وكانت للفن القصصي الحديث قوة وقدرة .
